من أبطال المقاومة بالريف: محمد الشريف أمزيان

تمهيــــد:

يعد محمد الشريف أمزيان من أبطال المقاومة الأمازيغية المغربية في القرن العشرين إلى جانب محمد بن عبد الكريم الخطابي وموحى أوحمو الزياني وعسو أوباسلام وآخرين. وقد واجه محمد الشريف أمزيان من جهة أولى بوحمارة الذي أرعب السكان الريفيين نهبا وفتكا وإذلالا ، وعاث فيهم إفسادا وتخريبا إلى أن طرده الشريف خاسئا منكسرا من عاصمته قصبة سلوان، ومن جهة ثانية قاوم المحتل الإسباني لمدة ثلاث سنوات إلى أن استشهد في 15 ماي سنة 1912م بقبيلة بني سيدال بعد أن باعه إخوانه من قومه وعقيدته إلى جينيرالات الإسپان طمعا واسترزاقا.
هذا، و قد كانت مقاومة الشريف للدعي بوحمارة من الأسباب التي أدت بع إلى نهايته إبان عهد مولاي عبد الحفيظ على يد القائد الشجاع الناجم الأخصاصي، كما أن مقاومة الشريف للمحتل الإسپاني أخرت تغلغله في منطقة الريف لاستغلال ثرواته المعدنية عدة سنوات. إذاً، من هو محمد الشريف أمزيان؟ وماهي الأسباب التي ساهمت في ظهور مقاومة البطل الريفي الأول؟ وماهي أهم المراحل التي قطعتها هذه المقاومة ؟ وما هي النتائج التي ترتبت عنها داخليا وخارجيا ؟ هذا ماسنعرفه في هذه الدراسة المتواضعة.

1- من هــو محمد أمزيان؟

من المعروف تاريخيا أن محمد أمزيان هو الشريف سيدي محمد أمزيان بن الحاج محمد بن حدو، ويمتد في نسبه إلى شرفاء الأدارسة، الذين بدورهم يمتدون في شجرتهم السلالية إلى آل البيت النبوي الشريف. و قد أكسبه هذا النسب الجليل مكانة دينية وروحية واجتماعية كبيرة بين قومه الريفيين، وأضفوا عليه نسب الشريف إشادة به وتعظيما.
وعلى أي، فقد ولد الشريف الصوفي الزاهد في قبيلة بني بويفرور قرب مدينة الناظور سنة 1859م أو 1860م تقريبا، ودرس القرآن الكريم بالكتاب، واحترف تجارة البغال والأبقار التي كان ينتقل بها بين الريف والجزائر. وتولى شؤون زاوية أبيه مع إصلاح ذات البين ومعاملته للناس معاملة حسنة وغيرته الشديدة على الوطن والدين وإخماد الفتن والقلاقل والقضاء على الإحن والأحقاد التي انغرست في نفوس الريفيين وتجذرت فيها بسبب ميلهم إلى القتل والاعتداء والنهب والثأر إبان عهد السيبة وضعف الحكم المركزي في منطقة الريف، لذلك نال الشريف ثقة الأهالي وأضفت عليه قبائل قلعية وقبائل الريف صفات التشريف والتقدير والاحترام.
ونظرا لسمو أخلاقه، كان يرافق كل من يريد الهجرة إلى الجزائر للعمل في الزراعة والفلاحة، وكان الشريف ذا نفوذ كبير بين قبائل الريف دينيا وروحيا واجتماعيا واقتصاديا ؛ لكونه من كبار الملاكين والأغنياء يحسن إلى الضعفاء والمساكين، ويميل إلى الزهد والتقوى والورع على الرغم من ثرائه وكثرة غناه. وكرس حياته كلها للجهاد في سبيل الله وتوحيد قبائل الريف لطرد اللعين بوحمارة والتخلص من المحتل الإسپاني. وقد استشهد الشريف في معركة عزيب علال أوقدور في 15 مايو 1912م ببني سيدال على يد المتعاونين مع الاستعمار وبالضبط على يد السرجان القائد محمد حسني التابع لفرقة الريگولاريسRegulares تحت إمرة الكاپورال كونثالو ساوكو Gonzalo Sauco. وقد دفن الشريف أمزيان في بلدة أزغنغان، وسماه المغفور محمد الخامس بطل الريف الأول.

2- أسباب ظهور مقاومة محمد الشريف أمزيان:

ماكانت مقاومة محمد الشريف أمزيان لتظهر إلى الوجود لو لم يكن هناك ما يؤرق بال الريفيين ويثير ضمائرهم ويقلق راحتهم؛ لأن الريفيين في شمال المغرب الأقصى كانوا لايرضون بالذل والخزي والعار، وكانت أنفتهم وكرامتهم فوق كل شيء، يمكن لهم أن يفعلوا الكثير من أجل الدفاع عن حريتهم و صون شرفهم و حماية عرضهم.
ومن الأسباب التي أشعلت سعير مقاومة محمد الشريف أمزيان ظهور بوحمارة في منطقة الريف الذي ادعى أنه المولاي محمد بن السلطان الحسن الأول. وبذلك، خرج عن طاعة السلطان مولاي عبد العزيز، وكبد قوات المغرب آنذاك خسائر مادية وبشرية كانت من العوامل غير المباشرة لدخول المستعمر الأجنبي إلى المغرب وفرض حماية 1912م.
وقد ساهمت ثورة بوحمارة في نشر الفساد والرعب والعبث بمصالح الناس وحريمهم وقتل الأبرياء وانتهاك أعراض الناس بدون حق شرعي، وساهم في انتشار الخيانة والغدر، وسمح لجيشه أن يفعل مايشاء في منطقة الريف بدون حسيب ولا رقيب.
ولكن الشريف لم يرض بهذا الوضع المأساوي المقيت، فوحد القبائل القلعية والريفية لمواجهة هذا القادم اللعين . ومن ثم، أعلن الشريف في الأسواق اليومية والأسبوعية وعبر المشاعل التي توقد فوق الجبال اندلاع المقاومة للقضاء على بوحمارة وجيشه المغتصب الذي دوخ الجيش الحكومي منذ سنة 1902م إلى أن تولى مولاي عبد الحفيظ الحكم و تكليف القائد الناجم الأخصاصي لمقاتلته والقبض عليه.
والسبب الثاني الذي أشعل ثورة الشريف أمزيان هو رغبة إسبانيا في مد سكة حديدية وبناء مجموعة من الجسور والقناطر تمتد من مشارف مليلية إلى بلدة أزغنغان على مسافة 20 كيلومترا، وذلك في 9 يوليوز 1907م ، والغرض من كل هذا هو الوصول إلى مناجم الحديد الموجودة بمنطقة أفرا ووكسان، بعد أن باع بوحمارة منجم وكسان لشركة إسپانية ومنجم إحرشاون لشركة فرنسية لمدة تسعة وتسعين سنة مقابل خمسة ملايين من البسيطات، وكان جنود بوحمارة هم الذين يحرسون العمال الذين يشتغلون في هذين المنجمين.
لكن محمد الشريف أمزيان - بعد أن استشار السلطان المولاي عبد الحفيظ - لم يسمح للقوات الغازية تحت قيادة حاكم مليلية الجنرال مارينا باستغلال المنجمين. فأرسل الجنرال العمال للشروع في بناء القناطر والجسور تمهيدا لوضع السكة فواجههم المجاهدون، فأعلن الجنرال مارينا حربه الشنعاء على الريفيين وقائدهم المقاوم البطل محمد الشريف أمزيان.
هذا، وقد أشعل دخول مارينا إلى الناظور فتيل مجموعة من المعارك التي ستكبد الجيش المحتل خسائر عدة في العتاد والمال ، وستحصد الكثير من الأرواح البشرية من قتلى وجرحى وجمعا من الضباط والقواد والجنرالات وأصحاب الرتب العليا في الجندية والقيادة العسكرية.
وعليه، فلم تندلع شرارة مقاومة محمد الشريف أمزيان إلا لسببين رئيسيين ألا وهما: فتنة بوحمارة، وغزو الجيش الإسباني لمنطقة الريف من أجل السيطرة على مناجم الحديد بمنطقة بني بويفرور. وهناك من يضيف سببا ثالثا لظهور مقاومة الشريف يتمثل في جبهة أصدقاء إسبانيا ( Amigos De España) التي جمعت المتعاونين مع الاستعمار وخونة القضية الريفية، وكان الشريف يحارب هؤلاء ويجاهد فيهم للحد من شوكتهم، وكانت هذه الجبهة هي التي قامت باغتيال قائد المقاومة الريفية محمد الشريف أمزيان على يد السارجان القائد محمد حسني التابع لفرقة الريگولاريس تحت إمارة الكابورال كونثالو ساوكو Gonzalo Sauco .

3- تطور مقاومة محمد أشريف أمزيان:

عرفت مقاومة محمد الشريف أمزيان في سنوات العقد الأول من القرن العشرين وبالضبط مابين 1909م و1912م مرحلتين أساسيتين: مرحلة مجابهة ثورة بوحمارة والتي انتهت بطرد بوحمارة من سلوان، والمرحلة الثانية التي انتهت باستشهاد الشريف أمزيان بعد أن كبد المستعمر الإسباني خسائر مادية ومالية وبشرية أثارت الرأي الأيبيري لمدة طويلة وأشار إليها المؤرخون الإسبان والأجانب على حد سواء.

أ‌- مقاومة الشريف أمزيان لبوحمارة:

عرف المغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي أوضاعا متردية على جميع المستويات منذ مولاي عبد الرحمن بعد هزيمتي إيسلي وهزيمة تطوان، فأصبح المغرب خاضعا لإملاءات الدول الأجنبية وضغوطاتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية. وصار المغرب بعد ذلك يعرف تقلبات سياسية واقتصادية واجتماعية ، وكثرت الفتن وارتفعت الأسعار وتهرب الناس من دفع الضرائب الشرعية وغير الشرعية على الرغم من الإصلاحات التي قام بها مولاي الحسن الأول من النواحي المالية والإدارية والتربوية والعسكرية. لكن ظروف المغرب ستزداد تأزما مع تولية مولاي عبد العزيز الذي تولى الحكم بعد وفاة أبيه الحسن الأول، وقد تولى شؤون الدولة وتسيير دواليب الحكم وعمره لايتجاوز 22 عاما. وقد واجه في عهده عدة مشاكل داخلية وخارجية، وعجز عن حلها بسبب حدود تجربته المتواضعة في الحكم وقصور خبرته في مجال التسيس وتدبير شؤون الأمة. وقد اضطر للتوقيع على مقررات الجزيرة الخضراء سنة 1906م؛ مما ولد القطيعة بينه وبين الرعية.
وقد أدى ضعف مولاي عبد العزيز وسجنه لأخيه محمد بن الحسن الأول إلى ظهور بوحمارة الذي استغل الظروف التي كانت تمر بها الدولة المغربية لصالحه من أجل السيطرة على الحكم بعد أن ادعى أنه هو محمد بن الحسن الأول الوريث الشرعي للسلطان بدلا من مولاي عبد العزيز.
والمقصود بهذا الفتان الدعي هو الجيلالي بن إدريس الزرهوني الملقب ببوحمارة وأيضا بالروكي ينتمي إلى قبيلة أولاد يوسف التي تستقر بزرهون.عمل الروكي في السلك المخزني مدة طويلة، وسجنه أبا أحماد مع المنبهي لمشاركته في مؤامرة على مولاي عبد العزيز. وبعد خروجه من السجن، مكث فترة في الجزائر ، ومنها رجع قاصدا تازة التي اتخذها عاصمة له، فبايعته القبائل الواقعة بين فاس وتازة، وانضمت إلى دعوته كافة قبائل المغرب الشرقي والريف، واستولى على قصبة فرخانة ووجدة واتخذ سلوان عاصمة لحكمه، وكان على اتصال مباشر مع السلطات الإسبانية في مليلية ، ومع السلطات الفرنسية في الجزائر التي كانت تمده بالأسلحة والعتاد والأموال ويتسلمها بقرية أركمان بالناظور. وقد ألحق هزائم متتالية بجيش المولى عبد العزيز مستفيدا من الدعم الإسباني والفرنسي على حد سواء.
وبناء على ما سبق ذكره، فقد انطلقت ثورة بوحمارة سنة 1902م من العاصمة فاس ليؤلب قلوب الناس على السلطان مولاي عبد العزيز، وبعد ذلك اتجه إلى تازة التي اتخذها عاصمة لحكمه، وفي تلك الفترة واجه الجيش الحكومي في عدة معارك انتصر فيها بوحمارة، وكبد الجيش السلطاني خسائر مادية كبيرة، فأثرت هذه الخسائر سلبا على المجتمع المغربي وهيبته الخارجية وسيادته الداخلية. واستقطب بوحمارة معظم القبائل التي توجد في وسط المغرب وشماله وشرقه؛ بسبب إحساس الشعب بالظلم من جراء السياسة الجائرة التي كان يتبعها المقربون من السلطان مولاي عبد العزيز. ومن المعلوم أن هذه السياسة كانت تقوم على الإفقار والتجويع وفرض الضرائب الشرعية وغير الشرعية على المواطنين الفقراء الذين لايستطيعون تحملها، وكل ذلك من أجل تمويل السلطان لحملاته العسكرية التي كانت تستهدف إخماد ثورة الفتان؛ مما سيضطر السلطان مولاي عبد العزيز إلى الاقتراض من فرنسا، و سيدفع هذا الاقتراض المغرب إلى تقديم مجموعة من التنازلات والقبول بسياسة الحماية الأجنبية على المغرب في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906م.
وقد راقب السلطان ثورة بوحمارة جيدا وتتبعها عن كثب، وتوصل إلى أن هذه الثورة كانت تحركها الأيدي الفرنسية بالجزائر تمهيدا لاحتلال المغرب، لذلك كتب السلطان مولاي عبد العزيز رسالة موجهة لقبائل بني مالك في يوليوز 1905م يقول فيها:" تحركت الإيالة الجزائرية لاقتراح أمور تضر برعيتنا الشريفة، واستمر طموحها للحوادث المخوفة، وتشوفت غاية التشوف إلى مديد الترامي على المسلمين وحددت شوكتها للاستيلاء على قوة الدين...
إن بوحمارة إنما يروج بتروجهم وإغرائهم وأنهم هم الممدون له ليحصلوا على قصدهم ورجائهم، ويتوصلوا به لتفريق كلمة الرعية.... وصارت الإيالة الجزائرية تمده بما يتقوى به قولا وفعلا، وتصدرت لإغراء القبائل على متابعته عمدا لا جهلا، وأخذت في تحريك الأسباب التي يترتب عليها في الرعية الانحلال والاضطراب.
ولازلنا نتحمل مالا يطاق من وجوه المدافعة... ولو اطلع المسلمون على مايلحق المخزن في ذلك لتسارعوا لإعانته برقابهم وأولادهم...ولخرجوا عما يملكونه رغبة في الإنقاذ من الخطب العظيم...لأن حفظ الرعية لايدوم إلا بالقوة الإسلامية وتلك القوة لاتنضبط للمخزن إلا بالاستعداد التام الذي يصان به النظام وتنفذ به الأحكام. ووسائل الاستعداد لاتتوفر إلا بالإعانة الجارية من الرعية والجباية."
وتبين لنا هذه الرسالة العزيزية مدى التأثير السلبي الذي تركته فتنة بوحمارة على خزينة المغرب وماليته التي استنزفتها الحملات العسكرية؛ مما جعل السلطان يستعجل القبائل المغربية لمساعدته جبائيا و ماليا وبشريا.
واشتدت فتنة بوحمارة قوة وتمركزا في مناطق تازة مرورا بمدينة وجدة ونزولا بمنطقة الريف، حيث اتخذ بوحمارة قصبة سلوان التي بناها المولاي إسماعيل سنة 1678م عاصمة لحكمه، كما سيطر على قصبة فرخانة لحماية مصالح الإسپان بعد معركة سيدي ورياش سنة1894م.
وبعد أن تقربت قبائل قلعية والريف من بوحمارة الذي كان يدعي النسب الشريف والسلطة الشرعية ويتخذ الزهد والتصوف مطية لتخدير الناس، تفطن محمد الشريف أمزيان إلى مكره ودهائه ففضحه بين الناس وطالب الريفيين بمقاومته. بيد أن الريفيين في البداية لم يحركوا ساكنا ، بل ناصروه ونافحوا عنه وقربوه وصاهروه كالقائد البويفروري الحاج محمد بن شلال، فوجد بوحمارة مأمنه بين الريفيين ويقول جيرمان عياش في هذا الصدد بأن الريف الشرقي هو الذي وجد بوحمارة فيه" أنصاره الأشد تحمسا، وفيه وجد الموارد والرجال... وفيه تمكن من إنشاء قاعدة لمخزنه".
وكان من نتائج هذا التحريض من قبل الشريف، أن اتجه بوحمارة بجيشه إلى أزغنغان للتخلص منه ، ولما لم يجده بمنزله، سرق كل محتوياته، وعاد خائبا إلى سلوان بعد أن علم بفرار الشريف إلى قبائل الريف للاحتماء بها. وبعد ذلك، قصد الشريف مليلية لاجئا، ولم يخرج من منفاه إلا بعد هزيمة العبد القائد المساعد الأيمن لبوحمارة في معركة إمزورن أمام المجاهدين الريفيين

# Posté le samedi 31 mai 2008 13:56

اخر كلام للمناضل مس الحاج سلام امزيان

اخر كلام للمناضل مس الحاج سلام امزيان
ما علاقة الأستاذ محمد سلام ب الامير محمد بن عبد الكريم الخطابي؟

●● باسم الله الرحمان الرحيم، علاقتي بعبد الكريم الخطابي قديمة نوعا ما و تعود الى أيام الطفولة. ولدت يوم نفي عبد الكريم ...كانت الام و الاب و الجماعة يحكون عن عبد الكريم ...كان الجو مهيأ لأسمع ما يحكونه عنه. أما الأتصال به فقد كان يوم دخولي القاهرة. كان الشعب المغربي يتكلم عنه كثيرا في ذالك الوقت،الشيء الذي دفع بإشبانيا و فرنسا الى اتخاذ احتيلطاتهما اللازمة ..وقبل التحاقي بالقاهرة كانت لي محاولة سابقة صحبة بعض الشبان، من ضمنهم أخي، حينما قررنا السفر الى القاهرة لرؤية عبد الكريم، و سافرنا فعلا .سمح الاسبان لهؤلاء الشباب باجتياز الحدود الاسبانية-الفرنسية (منطقتي الحكم الاسباني و الفرنسي)، لكنهم منعونا أنا و أخي. رجعت الى فاس، لكن لم يكن لي أي عمل في فاس، كما أنني كنت قد أنهيت الدراسة، و كانت لي علاقة بأستاذ جزائري في المدرسة الصناغية بفاس الجديد.كنت أنا في هذه المدرسة و كنا نتبادل أطراف الحديث عن عبد الكريم الخطابي. كان أب هذا الجزائري يساند عبد الكريم حينما كان يفكر في حرب الجزائر من خلال المجموعات التي بغث بها الى هذا البلد و أسماء هذه المجموعة معروفة. قال لي هذا الجزائري أن عبد الكريم أثار ضجة كبيرة و أن الفرنسيين قرروا تطوير التعليم العربي و الإهتمام به في البادية المغربية و في المدن. كانوا يريدون الإهتمام بالتعليم لتأخير المقاومة و الثورة...لكن كيف يمكنهم ذ لك ؟ فعبد الكريم رخل ثوري، و ما كان في امكان الفرنسيين ايقاف الثورة. كنا نسمع الحديث في المقاهي و في الشوارع...حكى لي الجزائري أن المفتش قرر البدء في تنظيم التعليم العصري لأبناء المغاربة ...وقدمت أنا طلبات الترشيح لبعض الطلبة المغاربة ...كانت التجربة جديدة بالنسبة لنا، و مواد التدريس جديدة ...كان لدي حب الستطلاع و قررت أن أشارك في التعليم الجديد في المدرسة الصناعية و اجتزنا الإمتحانات النهائية بحضور الأستاذ الجزائري و المفتش...شاء الحظ أن أنجح في الإمتحانات...نجحت أنا و أحد التونسيين من مجموع أربعين طالبا...مسألة حظ .و على إثر ذلك تم تعيني في نفس المدرسة ببوجلود (فاس) لكن المفتش اتفق معي و قال أنهم يرغبون في تغيير التعليم في البادية و لهذا طلب مني أن أذهب الى فرية با أحمد. أجبته بالإيجاب لأني كنت أريد أن أعرف القرية التي كانت نشيطة في عهد عبد الكريم مع أخيه في الجبهة الجنوبية .كان هناك خمسة قواد،منهم من كان في عهد عبد الكريم و كانت لي لي رغبة شديدة في أن أعرف ما يجري في قرية با أحمد، خصوصا في الجبهة الجنوبية التي شهدت ملاحم كبيرة .بعثني المفتش الى قرية با أحمد التي أصبحت مركزا للتجسس... الكوماندار كان جسوسا، اولاد ّبا أحمد هم أيضا جواسيس و القائد الصوفي كان من القواد المسجونين في عهد عبد الكريم .قلت لهم أنني من طنجة و أنكرت هويتي الريفية.بدأت العمل و شيئا فشيءا كسبت ثقة القواد و بدأت أنظم لهم دروسا قي بيتي عن تاريخ المغرب...و نفس الشييء قمت به بالنسبة للتلاميذ و الموظ...ظهر تغيير ملحوظ في في الوضعية.لكن مدير المدرسة يحاربني باستمرار . استمرت الإمور هكذا الى أن سمعنا عن فكرة تنظيم حفلة في قرية ّبا أحمد استقبالا للمقيم العام. اختاروا قرية ّبا أحمد ليزورها المقيم العام و قادة المغرب...قيل أنهم سيتكلمون عن تعيين الملك و بدأ الحديث عن أحد الكتانيين. كان أستاذا في القرويين و كنت أعرفه، و بما أنني كنت معلما للعربية هناك ،اختاروني لألقي كلمة أمام المقيم العام و الموظفين، كتبت خظابا بالشكل الذي كانوا يريدونه، تكلمت عن فرنسا و منخزاتها، و عن استعمارها، ثم أعتيط نسخة من الكلمة للكوماندار، موظفي الادارة و القاضي..الخ،لكنني كنت قد كتبت كلمة أحرى مغايرة احنفضت بها لنفسي حتى موعد تقديمي لها أمام للمقيم العام. التحق مئات القواد و الباشوات بحفل المقيم العام كما حضرنا نحن أيضا. قرأت الكلمة ثم التحقنا بإدارة القاضي، أخرجوا النسخة التي كانت غندهم و أخرجت انا نسختي التي كتبتها عن الظروف الحقيقية للمغرب. حينما كنت أقرأ كان الجميع يتحرك في مقعده لأن معظمهم يفهم العربية، ارتعش القاضي نوعا ما في مقعده. أوقفني و انتهت الحفلة . لما رجعت الى البيت ، أتاني المقيم العام و أمرني ألا أخرج من البيت، و في المساء لم يأتي القواد الذين كانوا يترددون على بيتي، و بعد يومين أو ثلاثة، أتاني الباشا الفاطمي بن سليمان مع الشرطة، فّتشوا البيت و أمروني ألا أسافر الى طنجة.

●هل تتذكر تاريخ هذه الأحداث؟

●●(صمت)...في بداية الخمسينات...هذا كله مدون عندي...نعم كان هذا سنة 1949 أو 1948

بقيت هناك شهرا كاملا في الإنتظار و كان هناك أحد الموظفين في الإدارة الفرنسية، السيد بناني من فاس و كان صديقا لي. كانت لديه اتصالات بالمخابرات الفرنسية...ربما كان يشتغل معهم، من يدري. أتاني مرة و قال لي أن موسيو "فلان" (لا أتذكر اسمه بالضبط) سكرتير الإقامة العامة أصدر أمرا بارجاعي الى طنجة. و أخبرني بناني أنني ما دمت منطنجة و طنجة دولية فإن الفرنسيين لا يمكن يمكنهم سجني ولا تسليمي للإدارة الإسبانية، ثم إنهم تلقوا معلومات من الإدارة الإسبانية تفيد منعي من دخول منطقة الحكم الإسباني و لا حق لي أن أبقى في منطثة الحكم الفرنسي،فكان الحل إذن طردي الى طنجة الدولية.بعثني بناني مع شخصين كان يعرفهما و أركباني القطار في غرقة السائق لإن هذه الغرفة لا تخضع للتفتيش على الحدود بين المنطقة الإسبانية و المنطقة الفرنسية (القصر الكبير).

فعلا ردخلت طنجة و كان هناك زوج أخت زوجتي التي كانت معي (كانت لدينا بنت واحدة ازدادت في قرية ّبا أحمد ). أقمت في طنجة لأنه لا يمكن لي العودة الى المنطقة الشمالية حيث تركت كل شيء. هنا بدأ اتصالي غير المباشر بعبد الكريم الخطابي.

●تكلمتم عن علاقتكم الشخصية بعبد الكريم الخطابي، السيد محمد سلام قائد انتفاضة الريف 1959-1958 ، قبل أن نتكلم عن هذه التجربة المنقوشة في ذاكرة الريف و المغيبة في التاريخ الرسمي للبلاد،هل كانت هناك استمرارية بين ثورة الريف بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي و حركتكم في نهاية الخمسيالت

●● طبعا كان هناك ارتباط. سأبدا الآن في الحديث عن الإتصال الأول(غير المباشر مع عبد الكريم). كانت هناك في طنجة مكتبة في واد أحرضان و تسمى مكتبة طنجة،يديرها شخص من الجنوب يدعى الزيزي. كان متعلما و ربما كان له موقف وطني...لم أسأله في الحقيقة لكنه كحان متابعا من طرف الإدارة الفرنسية. تعرفت عليه بسرعة لأنني كنت أسكن في واد أحرضان و كنت أشتري من عنده الكتب. و جدته متعلما جدا و لديه استعداد لمعرقة الحقيقة وقد سألني في في الأيام الأولى : ماذا قلت في الكلمة التي قرأتها أمام المقيم العام، ألم أخف؟ قلت له : أبدا لم أخف و هذا واجب وطني . و من هنا بدأ يحدثني في بعض القضايا الوطنية و يدعوني إلى بيته ...تعرفت على عائلته و كانت عائلة محترمة جدا. قلت له يوما أنني أرغب في قراءة الكتب و المجلات القادمة من الشرق. خصوصا مجلة المصور. ضحك و قال أن مجلة المصور تحمل القنابل. استفسرته، ماذا تقصد؟ قال إنه تحمل منشورات لعبد الكريم الخطابي، يضعها ما ببين الصفحة الأولى و الثانية و يبعث بها الي و المراقب لا يكتشف هذه المنشورات للأننه يتصفح المجلة بسرعة. رأيت العملية مرتيمن أو ثلاثة...كانت الحيلة عجيبة جدا. شلألت الزيزي: كيف يمكن إدخالها الى المنطقة الخليفية؟ قال لي إنه يدخلها سرا، ثم قلت له لماذا لا نفتح مكتبة اخرى في تطوان تكون موازية لمكتبة طنجة؟ قال : و الله إنها فكرة جيدة. قلت: لكن تعرف الرأسمال اللازم... وقال لي أنه سيتكلف بكل شييء شريطة لأن أتحمل أنا مسؤولية مراوغة الإسبان حتى يسمحوا لي بالدخول الى تطوان و فتح مكتبة فيها. اتصلت انا بالشيخ مزيان و الشيخ زريوح... جماعة الإسبان، كانوا يتعاملون مع الإسبان وكانو يششكلون البعثة المشهورة التي بعثها الإسبان الى مصر. قال لي الشيخ زريوح الذي كان موظفا مع الإسبان (وزير التعليم أو شيء من هذا القبيل) إن الإسبان لأن يسمحوا لي بالدخول الى تطوان. كان الشيخ زريوح يعرف كيف يتكلم مع الإسبان و ليس كالشيخ مزيان الذي كانت له طريقة خاصة. نجح الشيخ زريوح في إقناع الإسبان و أخذ منهم الموافقة على دخولي الى تطوان شريطة ألا أذهب إلى الريف...

التحقت بتطوان و بحثت عن محل لفتح المكتبة و مان هناك شخص اسمه عزّيمان يملك متجرا بالقرب من الفدّان. إخذت منه المتجر و بدأت اشتغل و أجلب الكتب و المجلات. بعدها تعرفت على شخص من مكناس يشتغل في إذاعة تطوان، كان يشتري مجلة المصور و كان يذيع أحيانا بأسلوبه منشورات عبد الكريم التي كانت تصل داخل مجلة المصور. كنت أسلم النسخة الثانية من المنشورات إلى عبد السلام الطاود الذي اغتالوه فيما بعد و هو كان ضمن البعثة المصرية . كان وطنيا و مجاهدا، لكنهم اختطفوه.

●من اختطفه؟ الإسبان؟

●● لا.لا.اختطفه حزب الإستقلال ؟،عذب ه الطريس، علال الفاسي و المهدي بن بركة. كانوا يعذبونه و هم يتفرجون عليه و هو كان يشتمه بأعلى صوته كما قيل، بل كما قال لي أحذ المختطفين السابقين و الذي أطلقوا سراحه و هو من تطوان و قد كان معه المختطف الذي لم يظهر له أثر، حدو أقشيش (من الريف). كان هناك المختطفون كلهم، يتعذبون على مرأى عبد الخالق الطريس، علال الفاسي و بنونة... و أحيانا المهدي بن بركة.

●لماذا كان حزب الإستقلال يعذبهم و ماذا كان هدفه من وراء ذلك؟

●● كانوا يعذبون كل من يتصل بعبد الكريم الخطابي و عبد السلام الطاود كان يصدر جريدة المغرب الحر و كان ينشر في الصفحة الأولى نداءات عبد الكريم و تنديده بجريدة الأمة التي كان يديرها الطريس. في الوقت الذي انطلق فيه خيش التحرير كان عبد الكريم الذي ساهم في تأسيسه يؤيده بينما كان حزب الإستقلال يحاربه و يحطم. كان عبد السلام الطاود قد ذهب الى الريف و زارني هناك...رآه الناس...و هو كان مسؤولا عن جيش التحرير.

● لنعد من جديد الى مكتبة تطوان و المنشورات التي كان يبعث بها عبد الكريم؟.

●● كنت أروج هذه المنشورات بين الوطنيين و كان المكناسي يذيع الإعلانات...الخ. بدأت الوضعية تنتعش إذن و شرعت في مراسلة عبد الكريم عن طريق الزيزي الذ كان يسافر الى القاهرة و الى لبنان...كان نشيطا جدا. لم أتأخر كثيرا في تطوان لأن وفاة والدي فرضت علي أن أنتقل الى الريف و سمح لي الإسبان بدخوله. مباشره بعد وصولي الى الريف، حوالي شهر على ما أظن، وصلتني رسالة من الزيزي يقول لي فيها: "أكتب لعبد الكريم". طلب مني أن أكتب لعبد الكريم عن طريق أحد الأشخاص كان مقيما في "مالكَا" الإسبانية. فعلا، كتبت لهذا الشخص و أجابني و طلب مني أن أتصل به بشخص آخر في "بوعلمة" (إقليم الحسيمة) القريبة من "أربعاء توريرت" (مسقط رأسي أنا). اتصلت بالشخص و كنت أسمع أنه تاجر لا غير و لا علاقة له بالأمور السرية. تكلم معي و أبلغني سلام عبد الكريم الخطابي. قلت له: كيف؟. فال لي أنه على علاقة بحفيد عبد الكريم و هو موجود " بمالكَا ". تحملتُ المسؤولية في المنطقة و تحملي المسؤولية له قصة هو كذلك. كان الحديث عن عبد الكريم الخطابي مستمرا في الأسواق، كانت هناك إشاعة عن عودة أخ عبد الكريم و عن وصول باخرة محملة بالسلاح.

جاءني هذا الشخص الشخص من " بوعلمة " و أبلغني بخطة الهجوم يوم الجمعة المقبل على الفرنسيين في "أكزناية"، و الذين كانوا قد اعتقلوا بعض قادة جيش التحرير. كان احتماله أن
يكتشف الإسبان الخطة المشتركة التي كنا رسمناها مسبقا و التي كان هدفها أن يعتقل المجاهدون المقيم العام الفرنسي في "أكزناية" و نعتقل نحن المقيم العام الإسباني في منطقة الحكم الإسباني. نفذ المجاهدون الخطة و لم ننفذها نحن لأن المقيم العام الإسباني لم يأتي الى المكان الذي كنا قد خططنا أن نعتقله فيه و ذلك لرداءة الطقس. أخبرني المجاهد من بوعلمة أنه يملك 18 بندقية منذ أسبوعين و كان قد حصل عليها من عند الريفيين الذين كانوا شاركوا في الجيش الإسباني.لم يكن هؤلاء على علاقة بالأحزاب لا بعبد الكريمالخطابي، كانت غيرتهم هي التي دفعتهم لإعطاء سلاحهم للمجاهدين...كان عبد الكريم يطالبنا بشراء الأسلحة لكن لم يكن ذلك في إمكاننا لأن الجواسيس كانوا منتشرين في كل مكان و الإسبان كانوا يراقبوننا كثيرا.لو لم يتم القبض على مجاهدي "كزناية" لاستمر مجاهد "بوعلمة في شراء الأسلحة لكن الأمور لم تتم بالشكل الي كان يريده. قال لي صديقي من "بوعلمة": عندنا 18 بندقية فماذا يبدو لك؟ قلت له: أفوض لك الأمر لأنك بعيد عن الأنظار و لن تكون محل الشك. قال لي فيما بعد انه اتفق مع الرجال الذين سيهجمون على الفرنسيين، رجال من " بوعلمة"، بني ورياغل و من "كزناية" .

اتفقنا إذن على يوم الجمعة كموعد للهجوم و اتفقت معه على أن أبقى مؤقتا في مركز "أربعاء توريرت" لأن بيتي بعيد عن المركز و لا يمكنني التنقل بسهولة.

سيتم الهجوم إذن على "بورد"، "أكنول" و "تيزي وسلي"، و كان علي أن ظاكون يوم الخميس في أربعاء توريرت، إلا أن يوم الخميس ليس يوم السوق في هذا المركز ووجودي به سيثير انتباه الإسبان لهاذا قررت بناء بيت في أرض أملكها في أربعاء توريرت، اتفقت مع المستخدمين أن نبدأ البناء، و فعلا أتى المستخدمون، و في يوم الجمعة، كنت هناك، أنا و خالي و عيسى أمزيان و أفراد آخرون لا أتذكرهم، أتانا المراقيب ، تظاهرت أنا أنني لم أشعر بوجوده وقال لي "عملها عبد الكريم" قلت له أننا لسنا من عهد عبد الكريم ولا نعرفه بل نسمع عنه فقط، ثم سألته بدوري ماذا فعل عبد الكريم؟ قال لي : "عملها في اكزناية" قلت له: قد يكون ذلك صحيح. و بينما نحن نتحاور رأيت أشخاصا يتسللون من تحت الأشجار للإلتحاق بمستخدمينا، تردد المراقب في الذهاب إليهم لكنني منعته بأدب، و طلبت "عيسى" و "علوش زيان" أن يذهبوا إليهم، أما أنا فقد رافقت المراقب في اتجاه مركز السوق
وقد كانت حالة التوتر ملحوظة على وجهه، سألته عن سبب توتره فقال لي : "اللآن و قد قالها عبد الكريم" قال ذلك بالإسبانية. نظرت إليه و قلت في نفسي: و الله إن عبد الكريم في القاهرة، لكنه موجود هنا. ودعت المراقب و عدت الى الرجال، قدم لي الخمسة التحية وقالوا لي لقد نفذنا العملية. قلت لهم أهلا و سهلا و مرحبا بكم. نفذوا الهجوم على "برد" و نجحوا في ذلك، لكنهم لم يقتلوا النقيب لأنهكان له مخرج أرضي في مكتبه. خرج و استقل سيارته و ذهب الى مكان آخر، ركب طائرة حربية و حاول الإنتقام لكنه لم يفلح، و أبلغ المسؤولين في فاس و غيرها. بالنسبة للهجوم على تيزي وسلي فقد نجح تماما وقتل المجاهدون العديد مت الجنود، أما مركز أكنول فلم يصلوا إليه لأنه بعيد. أما البمجاهدون الذين كان الفرنسيين قد اعتقلوهم في بورد فقد أطلق سراحهم جميعا... أما من كانوا في تيزي وسلي فلم يفرج عنهم كلهم لأن البعض منهم اعتقلهم المهاجمون أنفسهم و احتفظوا بهم لأسباب خاصة، ربما كانت بينهم عداوة شخصية، لا أدري. أتى سجناء بورد من المنطقة الفرنسية مشيا على الأقدام، و كان البعض منهم مصحوبا بأسرته، عبروا واد توريرت وقرر الإسبان عدم استقبالهم، هنا توليت أنا مهمة إيوائهم. ناديت على الإهالي و طلبت منهم إيوائهم، في تلك اللحضة، قصفنا الفرنسيون بمدفع لكنهم لم يقتلوا أحدا. بدأت إذن توزيع اللاجئين على بيوت عائلتي و أقاربيحتى لا أثير غضب الإسبان. بالنسبة لزعمائهم فقد استقبلتهم في بيتي الخاص. سكت الإسبان عن هذه العملية و لم يقولوا لنا شيئا، آنذاك بدأ لاجئون آخرون يتوافدون علينا من اكزناية و طلبت أنا من الأهالي في آيث مرزوكة و 'يت عروس إيوائهم. و تمثل موقف الإسبان في حشدهم القوات المسلحة من الناضور و مليلية. كانت شاحنات الجيش منتشرة في كل مكان و الحالة حالة طوارئ، ثم استدعاني المراقب. ذهبت إليه وقال لي: ماذاستفعل لضمان الأمن؟ قلت له أن الأمر بين اكزناية و الفرنسيين و نحن لا علاقة لنا بذلك. نحن مسؤواون هنا فقط. قال لي : و بني توزين؟ قلت له ان بني توزين معنا و هم تحت الحكم الإسباني. هدأ المراقب بعض الشيء، كان ذلك يوم الجمعة، و في اليةم الموالي كان هادئا أكثرو اتفقنا على أن نذهب معا الى سوق الإثنين. في هذه الأيام كان النلس يتوافدون على بيتي بالليل، خصوصا هؤلاء الذين كانوا قد جاهدوا مع عبد الكريم الخطابي"، يعبرون عن استعدادهم للقتال. كانوا يطالبون بالأسلحة، لكنيطلبت منهم أن يذهبوا الى اكزناية التي كانت تعرف هيجانا كبيرا بدون سلاح لأننا لو حاولنا الحصول علي السلاح من عند الإسبان فقد نحرضهم ضدنا. و في يوم الإثنين، سوق اثنين بني بوعياش، اجتمع حولي الإهالي في السوق و الجميع يتكلم عن الحرب و على استعداده للقتال. و في يوم الثلاثاء أتاني شخص من آيت مرزوكة ببندقيية واحدة و قال لي أنه على استعداد ليقود عشرة أشخاص آخرين بدون سلاحو يلتخقوا باكزناية. فعلا، اعتمد هذا الشخص على نفسه و بدأ الآخرون شيئا فشيئا على السلاح. هكذا قام جيش التحرير و لم تكن لديه أية علاقة بحزب الإستقلال، إنه نتاج عمل الوطنيين.

● كان محمد بن عبد الكريو الخطابي يجاهد من أجل تحرير المغرب. وكان حزب الإستقلال

يتبنى نفس الهدف. فما هو سبب هذا العداء كله إذن؟

●● كان حزب الستقلال معترفا به من طرف الدولة الفرنسية الحاكمة...و من جهة أخرى فالأحزاب السياسية المغربية كلها لم تكن تشير الى الجهاد و الكفاح المسلح، بل شرعت في تنظيم مجالس بلدية في تطوان و فاس...كل البيانات التي أصدرتها هذه الأحزاب من سنة 11928الى غاية سنة 1948 لم تذكر اسم عبد الكريم الخطابي نهائيا مع أنه في سنة 1928 كان رجال عبد الكريم ما يزالون في الجبال. نفي عبد الكريم سنة ...1926و الأحزاب السياسية لم تذكره أبدا ولم تكن لها علاقة به، و لما أنزلوه في القاهرة –أقول أنزلوه و لم ينزل طواعية– فعلوا ذالك حتى لا يلجأ الى فرنسا أو اسبانيا و يثير القلاقل انطلاقا من هناك. لقد تآمروا ضده

● أثناء تشكل الأحزاب السياسية، و أهمها حزب الإستقلال و حزب الشورى و الإستقلال ، كانت بوادر تشكل جيش التحرير قد بدأت، كبف كانت علاقة عبد الكريم بجيش التحرير؟

●● هو الذي أسسه، هو الذب أنشأ لجنة سماها " لجنة تخرير المغرب العربي" و كلمة التحرير لم تكن موجودة في قاموس الأحزاب السياسية. و انطلاقا من القاهرة بدأ يشرف تدريب المغاربيين، وكان يسهر على التدريب الغالي الطاود (أعتقد أنه لازال على حيا) الذي كان قد درس العسكرية في العراق هو و حدو أقشيش. كان قد ذهب الى العراق على قدميه.كلفه عبد الكريم بزيارة المغرب العربي مع جزائري يدعى "قاضي" (قتله بن بلا..)، أما الغالي الطاود فهو الذي هيأ لقيام جيش التحرير في الجنوب...لم تكن له أية علاقة مع حزب من الأحزاب السياسية. كان صديقا حميما لي و كان من المفروض أن أشتغل معه... كان يزودني بالمعلومات عن عبد الكريم الخطابي لأنه كانت تربطه به علاقة كبيرة، كان تلميذه.

● أعود من جديد الى علاقة حزب الإستقلال بجيش التحرير قلتَ أنه كانت في منطقة الشمال اغتيالات و اختطافات نفذها أقطاب و رموز حزب الإستقلال كعبد الخالق الطريس و بن بركة الى حد ما، ماذا كان يريد حزب الإستقلال في الوقت الذي كان فيه جيش التحرير يشهر السلاح في وجه المستعمر لتحرير البلاد؟ ماهو هدف حزب الإستقلال آنذاك؟.

●● جيش التحرير الحقيقي حمل البندقية في وجه الفرنسيين و هدد الإسبان و لم يستطع علال الفاسي أن يقضي عليه. مقابل ذلك أسس جيش الخريب لمواجهة جيش التحرير الحقيقي، هل فهمت؟

نزل جيش التخريب بسلاحه الى الميدان، لكن ليس لمحاربة المستعمر، بل لقتل أعضاء جيش التحرير. فالرؤساء المباشرون لجيش التخريب هم عمال الإقاليم، منهم منصور عامل إقليم الحسيمة، و في المجموع كانوا خمسة. استعملوا أسلوب الإختطاف و الإغتيال و هو ما نتج عنه فتنة كبيرة. و كنت بدوري سأقع في الفخ لكنهم لم يقتلوني لأن أحد أتباعهم و هو من قبيلتي (بن عبد الله موح أمزيان) كان موظفافي إدارة الإسبان في أربعاء توريرت و قد ساعدته أنا على الحصول على هذه الوضيفة، كان هذا الأخير يتعامل معي. حدث أن سرق بعض الأموال من الإدارة و كان الإسبان سيلقون عليه القبض، لكنني كنت أعارض ذلك. وعلى حولته الى إدارة إمزورن الخارجة عن الإدارة الإسبانية. لما وصل هناك اختفى عن الأنظار و أسس تنظيما سماه "أبطال عبد الكريم"، وقد حاول الإسبان اعتقله لكنهم فشلوا. و بعد الإستقلال المزعوم انضم لصفوف حزب الإستقلال، و دخل في تنظيم الإختطافات و كلفوه بتصفيتي لكنه لم يستطع لأنني أنقذته من الإسبان. و كان هو الذي اصطحبني من تطوان الى الحسيمة حينما اعتقلوني.. دافع عني كثيرا و أقنعهم بأن يعاملوني معاملة خاصة لكي أتعامل معهم و إلا ما كان الحزبيون سيعفون عني. كان على علم بأني على علاقة بعبد الكريم الخطابي و بجيش التحرير...و هذا الشخص هو الذي اختطف حدو أقشيش نن بيت والدته التي حاولت مساعدته على تسلق الجدار لكي يهرب لكن بن عبد الله موح أمزيان أبعد والدته و مسك بحدو أقشيش وأنزله الى الأرض.

● في سنة 1955 وقع حزب الإستقلال على وثيقة المطالبة بالإستقلال، و جيش التحرير كان لا يزال يواصل جهاده في الجبال. كيف حدث هذا؟ كيف يوقع أشخاص لا علاقة لهم بجيش التحرير على المطالبة باللإستقلال، في غياب جيش التحرير الذي لا يطالب بالإستقلال، بل يرغم المستعمر على الرحيل؟.

●● لأن حزب الإستقلال المعادي لجيش التحرير اتفق مع فرنسا و رتب كل شيء. أما جيش التحرير فقد كان في جبا الريف و الجنوب. حينما اعترفت فرنسا بالإستقلال، أمر الحزبيون بوقف القتال، و توقف من كان معهم، أما جيش التحرير فقد اسستمر في القتال، و مع إلحاحه على الاستمرار، قرر الحزبيون تصفية أقطابه .

‏● لدي وثيقة كتبها أحد قادة جيش التحرير يدعى الذهبي و هو كان مساعدا للبطل عباس المساعدي في منطقة تاونات على ما أظن. يحكي الذهبي تفاصيل زيارة الفقيه البصري و المهدي بن بركة لعباس المساعدي في مقر إدارته بتاونات، ثم حدث بينهم خصام خرج عباس في طريقه الى فاس و بعدها مات. من خلال هذه الوثيقة يبدو أن الفقيه البصري و المهدي بن بركة هما الذين كانا وراء تصفية عباس. من هنا أبدأ إذن مسلسل التصفيات؟.

●● جيش التحرير هو الذي أعلن التحرير ولم تكن له أية غلاقة بحزب الإستقلال، و حزب الإستقلال لم يتكلم أبدا عن التحرير، لم يكن حزبا للتحرير، و الإستقلال حصلوا عليه من فرنسا. كما أن منطقة جيش التحرير الحقيقية، منطقة المثلث الجهنمي، لم يكن علال الفاسي يعرفها نهائيا. و الإسم أطلقه عبد الكريم الخطابي بعد ثلاثة أيام على قيام جيش التحرير في هذه المنطقة، منطقة كزناية (أي بورد، تيزي وسلي و أكنول). و بورد قريب منا نحن و تيزي وسلي أقرب الى بيتي. كانت لدينا تعليمات من عبد الكريم بأن لا نصطدم مع الإسبان، و كانت الخطة رائعة. لقد انحرفنا الآن شيئا عن صلب الموضوع. أين كنا؟ كنا نتحدث عن المثلث الجهنمي عبارة عن ثلاث مراكز هجم عليها رجال جيش التحرير لأن بورد كان يضم الإدارة الفرنسية

و أكنول كانت فيه الإدارة العامة و قد صعب على جيش التحرير الوصول إليها في الإيام الأولى...

● تكلمتم بما فيه الكفاية عن قيام جيش التحرير في الشمال و عن دوركم فيه، فهل كان هناك تنسيق بين الشمال و الجنوب؟.

●● الطاود الذي أرسله عبد الكريم، صحبة شخصين أخرين، جزائري و تونسي، قضوا ثلاثة أشهر في الجنوب.الجزائري قبله بن بلاّ مباشرة بعد ظهور جيش التحرير. قام الطاود بدوره لكني لا أعلم كيف كانت الأمور عندهم في الجنوب خصوصا أن قيام جيش التحرير في الجنوب تأخر كثيرا، و أن البلاد كانت تعرف حالة فوضى و ضغف... تَحَكّم الإسبان في و الفرنسيون في الوضعية، و كانت الأسلحة تباع و تشترى و كان التنقل ممكنا... كما أن حركة المقاومة انطلقت بمعزل عن جيش التحرير.لم تعد فرنسا و إسبانيا تتحكمان في مجريات الأمور. كان عديأوبيهي قد حكى لي أن الفضل يعود إليه في قيام جيش التحرير في الصخراء... كان الفربسثون قد وضعهوه في مستشفى الأمراض العقلية ببرشيد، لكنه كان يوجه رجاله من هناك، من داخل "السجن". يفترض أنهم كانوا على اتصال مع الطاود... معرقتي بمجريات الأمور في الجنوب ضعيفة، كل مال أعرفه هو ان الطاود خريج الكلية العسكرية في العراق، قام بدور كبير.

في واقع الأمر، خان الحزبيون في المغرب و تونس روح ميثاق "لجنة تحرير المغرب العربي" التي أسسها عبد الكريم الخطابي.ساومت فرنسا حزب الإستقلال في المغرب و بورقيبة في تونس، فحصلوا على الإستقلال المزعوم، تفرغت فرنسا للجزائر. هنا اندلع الصراع بين عبد الكريم و الحزبية المغربية، هذه الحزبية التي بدأت مباشرة بعد الإستقلال في تصفية كل من ترى فيه خطرا على و جودها.

● متى تم اعتقالك بالضبط و لماذا؟

●● بعد الإعلان عن الإستقلال شكلنا وفدا يمثل الشمال كله، ذهبنا ب 1200 سيارة تقريبا (كل السيارات التي كانت في الشمال)، مواطنين و أعضاء جيش التحرير، و قد حمل هذا الأخير أسلحته و قبعاته الخاصة (مازلت أحتفض بقبعة جيش التحرير). ذهبنا لاستقبال الملك في تطوان. كانت فرنسا قد أعلنت الإستقلال منذ ثلاثة أشهر، لكن إسبانيا كانت تحاول التلاعب و كانت تبحث عن عملاء لإعلان استقلال معزول في الشمال، و فد كان هناك فعلا اتصال ببعض العملاء، لكنني سمعت ذلك عن بعد. ذهب محمد الخامس الى مدريد للحصول على إذن فرانكو بالدخول الى تطوانالواقعة تحت الحكم الإسباني. فعلا، أتى الى تطوان و ذهبنا لتهنئته...كان المرابط أحمد هو المسؤول عن تنظيم الشباب. رأينا محمد الخام في مقر إقامته و قضينا الليلة في فندق "درسة" حيث كان علال الفاسي و، بن بركة و خماعتهم نازلين فيه أيضا. في اليوم التالي أتاني شاعر الريف (ابن الفقيه بولحيان) و قال لي أن علال الفاسي، بن بركة و جماعتهم وضعوا خطة أطلقوا عليها خطة غزو الريف. حكى لي شاعر الريف هذا الأمر يمفردي دون إشراك الشيخ مزيان الذي كان يعتبره جسوسا للإسبان. ذهبت مع شاعر الريق الى فندق درسة و رأيت علال و المهدي و الجماعة في حالة اجتماع في احدى القاعات و عليهم حارس واحد. استأذن لي شاعر الريف (الذي كان معهم) و التحق بهم، أ/ا أنا فانصرفت و لم أخبر الشيخ مزيان بالأمر، بل أخبرت الشيخ زريوح و أخبرت الشباب من التلاميذ و الطلبة. وضعناكل شيء في الحسبان و طلبت من من الشباب المسؤل عن التنظيم أن يكون على يقظة تحسبا لأي مناوشة قد يقوم بها الحزبيون .قضينا الليل في الشارع و كان يخيم جو من الفوضى على تطوان. في اليوم التالي بدأ التطوانيون يقدمون الولاء لمحمد الخامس في لباس خاص. بعد لك أعلن محمد الخامس عودته الى الرباط و قررنا نحن السفر الى الرباط أبضا.شكلنا وفدا كبيرا يمثل الشمال كله و تم اختيار الشيخ مزيان رئيسا للوفد، أما أنصار حزب الإستقلال فبدأوا يضايقوننا...لا أقول التطونين، بل أنصر حزب الإستقلال...و في هذه الليلة انضم حزب الإصلاح لحزب الإستقلال، كما انضم حزب المغرب الحر لحزب الشورى و الإستقلال. حينما زار مسؤولو "حزب المغرب الحر" محمد الخامس أمرهم أن ينضموا الى حزب الإستقلال،لكنهم انضموا على عكس ذلك ال حزب الشورى و الإستقلال. هبنا الى الرباط في حزب الشورى و الستقلال، استقبلنا الحاج أحمد معنينو و جماعته. احتفلوا بنا في سلا و كان أنصر حزب الإستقلال يضايقوننا في سلا
أيضا. في اليوم التالى ذهبنا لزيارة الملك.

وصلنا الى القصر دخلت أنا و الشيخ مزيان على الملك مباشرة، بينما كان المواطنون يدخلون القصر واحدا تلو الآخر، كان انصر حزب الإستقلال منتشرين في القصر. حاولوا مضايقتنا، كان معنا رجل طويل و عريض كنت أسميه عزرئيل (من آيت عروس). كان هذا الرجل يكسر أعلام حزب الإستقلال على مرآى السلطان أحيانا.دخلنا نحن بأسلحتنا و استقبلنا السلطان و فدم الشيخ مزيان كلمة تهنئة باسم الوفد. بعد ذلك، تكلم لسلطان و شكرنا على العمل الفدائي الذي قمنا به في إطار جيش التحرير و قال أن جيش التحرير هو الذي أعاده الى العرش، ثم طلب منا أن نعد تقرير عن الشمال لأنه لا يعرفه، آنذاك تدخل الشيخ مزيان و قال :"يا صاحب الجلالةابن أخي هذا أجدر بهذه المهمة"، عقبت أنا و أظهرت استعدادي لهذه المهمة. هكذا كلفني السلطان بأن أعد تقارير عن الشمال.

عدت الى تطوان و شرعت في العمل، كتبت في المجموع أربعين تقريرا عن الاختطافات و جرائم حزب الإستقلال، كنت أبعث بتقاريري عبر البريد الإنجليزي و باسم رئيس الحكومة آنذاك مبارك البكاي، كانت الأختطافات في ذلك الوقت متتالية وأنا عنها التقارير. بدأ الحزبيون بأمر مناوئ لهم و أخذوا يبحثون عن مصدره. و من مجمع التقارير التي أرسلت حصل الحزبيون على خمسة منها عبر زوخة البكاي التي كانت تربطهم بها علاقة صداقة. و هروبا من الحزبيين، اختفيتُ عن بعض الأصدقاء في حي "السانية د الرمل" ( تطوان) و كان أحدهم هو الذي يضع مراسلاتي في البريد الإنجليزي و كان يزودني بالمعلومات. هنا بدأت المطاردة و استطاع أقطاب حزب الإستقلال أن يعرفوا من وراء هذه التقارير خصوصا و أنها كانت تحمل أسماء الريفيين ممن الذين اختطفهم حزب الإستقلال. بعثوا ببعض التقارير لعامل الحسيمة، المنصري آنذاك و حدد هذا الإخير المتهم مباشرة في شخصي لأن خط يدي كان معروفا. أصدر تعليماته للمسؤولين بالبحث عني، و في تطوان أبلغني أحد الأقرباء (عمر) أنهم يبحثون عني، كان يتضاهر و كأنه من الحزبيين و من هنا كان يحصل على المعلومات. طلب مني مغادرة تطوان، و بالفعل قمت بذلك و ذهبت الى الرباط، و قررت العودة الى مهمة التدريس بعدما كنت قد غادرتها، (يتوقف بعض الشيء و يعبر عن عدم قدرته على الكلام بسسب مرضه، ثم يواصل) ثم قصدت مفتشا للتعليم كنت أعرفه حينما كنت أدرس في قرية بّا محمد لكنه أصبح فيما بعد موظفا في وزارة التعليم. قصدته و قلت له أن الفرنسيين نفوني من قرية بّا محمد لكني مضطر الآن للعودة إليها. قال لي: سأرجعك إلى قرية بّا محمد. و فعلا أعادني اليها بدون زوجتي هذه المرة. قضيت هناك زهاء شهر، ثم حلت العطلة التي كانت بعد الإستقلال فذهبت الى تطوان عبر وزان في سيارة صديق جزائري كان معنا في نفس المدرسة. حينما وصلنا الى دار بن قرّيش التي كانت تحت الحكم الإسباني، أوقفتنا إحدى الفتيات، أركبناها معنا و جلستْ في المقعد الخلفي. مباشرة بعد أن انطلقت بنا السيارة، أبلغتني الفتاة، التي حسبناها فتاة عادية، سلام و تحيات الشيخ مزيان. قلت لها أنني لا أعرف شخصا بهذا الإسم، لكنها أصرت و أخبرتني عن بعض التفاصيل. هنا أدركت أن شيئا ما ينتظرني. (يستدرك) لقد نسيت، حينما وصلت الى فاس قادما من قرية بّا محمد و قد كانت لي هناك علاقات، وجدت أحد الريفيين في بوجلود (فاس) و قال لي أن إن شرطيا كان قد مر على التو و سأله عني و صورتي في يده. عرفت الآن أنني مراقب. وصضلنا الى تطوان و قصدنا الشيخ مزيان الذي وجدته في حالة متوترة. أخبرني أحمد (أحد أبناء العم) خارج البيت أن الشرطة تبحث عني، فهمت مغزى ذلك، و طلبت من منه أن يترك لي فرصة توديع صديقي الجزائري حتى لا يراني في ظروف لا أريدها. خرجنا من تطوان، أنا و أحمد و عمر، و لما وصلنا الى الفدان أتاني بن عبد الله موح أمزيان الذي كان يعمل لحزب الإستقلال ...حيّانا و قال لي : هل يمكن أن تسلم لي نفسك؟ قلت له له نعم. قال تفضل إذن، و حينما وصلنا الى الكنيسة الواقعة في الفدان، جاء رجلان و طلبا من أن أصطحبهما الى مركز الشرطة. رافقني إبنا عمي لكن الشرطة طلبت منهم مغادرة المركز...وضعوني في الزنزانة و اتصل الشيخ مزيان بالجنرال أمزيان و قال له: ابن عمي اعتقلوه و يمكن أن يختطفوه. أصدر الجنرال أمزيان تعليماته لرجال الأمن لكي يحرسوا مخفر الشرطة حتى لا يختطفني الحزبيون منه. سأل عني ابنا عمي في اليوم التالي و قيل لهما أنني غادرت المركزن لكن الحقيقة كانت غير ذلك، إذ أنني قضيت هناك ثلاثة أيام. كنت كل هذه الليالي واقفا...كان هناك أحد الحراس من أصل ريفي (بني قلعية) الى جانب حارس إسباني...أمدني الريفي بكأس البول من فتحة الباب و حسبته شايا لكن أحد الإسبان نبهني الى أنه بول. منذ ذلك الحين لم أعد آكل أو أشرب.

قضيت هناك ثلاثة أيام و اتفق الاحزبيون أن يصطحبني ابن عبد الله موح أمزيان الى الحسيمة. وضعوني مقيدا في الحافلة (بالينصيانا). طلبت من حارسي أن يفك أغلالي ووعدته ألا أهرب...فك أغلالي فعلا و في الطريق أخبرني بكل شيء.قبل أن ندخل الحسيمة وضع أغلالي في يدي من جديد و أدخلني السجن. كان السجمقسوما الى قسمين، قسم يعتبر إدارة و القسم الآخر يعتبر مكان يستقبل فيه السجناء أقاربهم. و كان يوجد تحت المركز قبو وضعني فيه. قضيت هناك شهرين كاملين، و طيلة هذه المدة كانوا يدخلون الى السجن المختطفين الذين كانوا يعذبونهم في بناية المعهد الديني الذي درسنا فيه. يدخلونهم السجن بعد إنهاء التحقيق معهم. و إبان هذه المدة أتني عامل الإقليم، المنصوري و نائبه بصحبة الشرطة. و جدوني أكتب مذكراتي أخذوها مني و مزقوها، ثم أدخلوني في زنزانة بمفردي، ثم فيما بعد وضعوني في زنزانة كان فيها شريف تارجيست. وهذا الأخير اعتقلوه في تطوان لأنهم وجدوا عنده رسالة من عبد الكريم الخطابي. اختطفوه من تطوان و أتوا به الى الحسيمة ومن هناك نقلوه الى سجن لعلو بالرباط.قضيت ستة أشهر في الحسيمة و ذات يوم أخذوني الى منزل عبد الكريم الخطابي في أجدير و الذي تحول الى مركز للتعذيب، اعتقدت أنهم سيعذبونني هناك، لكنهم أخذوا من هناك أحد الزعماء المحليين يدعى "سي بوطربوش" و نقلونا الى باب لعلو و هناك التحقت بعدي أوبيهي. وضعوني في زنزانة كان الفرنسيون خصصوها لشخص واحد لكن الحزبيين كانوا يضعون فيها ستة أشخاص، دخلت الزنزانة إذن مع شريق ترجيست،سي بوطربوش، أخ أحرضان و شخص آخر لا أتذكره .

و مباشرة بعد وصولنا الى السجن، أتانا المدير و قال أن من يدخل هذا السخن لا يخرج منه إلا بعد ست سنوات و يوم واحد..." اعتبروا أنفسكم نزلاءهذا السجن طوال هذه المدة كلها" علمت فيما بعد أن عدي أوبيهي موجود في الزنزانة المجاورة. خرجنا من الزنازن، أنا و أصدقائي ثم عدي أوبيهي و ابنه إدريس و أحدهم يدعى العلوي كانوا قد وضعوه للتجسس على أوبيهي، ثم ربيب اليوسي الذي كان هو الآخر جسوسا...كان ضابطا. تعرفت على عدي أوبيهي و بدأت آخذ منه المعلومات. آنذاك بدأت أدارة السجن تمارس علينا الضغوطاتو تقدم لن تغذية أقل من الحد الأدنى. كان المسؤول عن التغذية يمارس علينا عجرفة كبيرة و اتفقنا على أن ننتقم منه. تكلفت أنا بالمهمة لأن الزنوانة التي كنت فيها هي أول زنزانة يمر عليها. دخل الزنزانة و قدمت له التحية لكنه لم يرد علي بمثلها، آنذاك مسكته من رأسه ثم ساعدني بوطربوش و أغلقنا الباب. بعد العملية بدأ الجناء الآخرون يصرخون و يكسرون الأبواب، آنذاك أغلقت الإدارة الباب الرئيسي
و اتصلت بالشرطة و بمدير السجن. لم يأتي المدير في ذلك الوقت بل أتى في اليوم التالي. ذهبت اليه أنا و إدريس، ابن عدي أوبيهي، كان إدريس أميا و كان صغيرا في السن. قال لي المدير أننا ارتكبنا مخالفة كبيرة، أهاننا، لهذا فنحن نستحق عقوبة كبيرة. أهاننا و حمّل لي مسؤولية ما حدث، لم أنفِ ذلك. بعد قال أنه قرر أن يعاملنا "معاملة موافقة للجريمة التي ارتكبناها"...

للإستماع إلى محمد أمزيان


هذا الحوار منقول من كتاب

الريف بين القصر ،جيش التحرير وحزب الاستقلال

لمؤلفه مصطفى أعراب

ملاحظة: الصورة للبطل محمد سلام

# Posté le samedi 31 mai 2008 13:54

مدونة الريفي

[ Ajouter un commentaire ] [ Aucun commentaire ]

# Posté le samedi 31 mai 2008 13:48

azul

azul

# Posté le lundi 29 octobre 2007 11:39